سيف الدين الآمدي

179

أبكار الأفكار في أصول الدين

الفصل الأول في أن الحدّ يرجع إلى قول الحادّ ، أو إلى صفة المحدود . وقد « 1 » اختلف أئمتنا في ذلك : فذهب أكثرهم : إلى أن الحد راجع إلى نفس المحدود ، وصفته في نفسه ، فالحدّ والحقيقة عندهم بمعنى واحد ؛ ولهذا قالوا : / الحد هو حقيقة الشيء ، ومعناه . وذهب القاضي : إلى أنّ الحد راجع إلى قول الحاد المنبئ عن حقيقة المحدود وصفته . معتمدا في ذلك على أنه « 2 » : لو كان الحدّ هو الحقيقة ؛ لصدق إطلاق الحد ، على كل ما يصدق عليه إطلاق الحقيقة . وهو غير مطرد في حق الله - تعالى - ؛ حيث يقال له حقيقة ، ولا يقال له حد « 3 » . والحق في ذلك : أن الحدّ في اللغة ، عبارة عن المنع ، ومنه يقال للبوّاب حدّاد ؛ لمنعه بعض الناس عن الدخول ، وللحديد حديد ؛ لامتناع تفككه بسهولة . وللعقوبات حدود ؛ لافضائها إلى المنع من الإقدام على الجنايات . وعند ذلك فلا يخفى صحة إطلاق الحد لغة : على حقيقة الشيء ، من حيث إنها حاصرة له مانعة من دخول غيره فيه ، والقول المعبر عن الحقيقة أيضا ، مطابق لها ؛ فيكون مشاركا لها في المنع من دخول ما خرج عن الحقيقة فيها ؛ فلا يمتنع أيضا إطلاق اسم الحد عليه لغة ، ولا معنى لتصويب أحد القولين ، وإبطال الآخر من جهة اللغة ، وامتناع إطلاق اسم الحد على الله - تعالى - وجواز إطلاق الحقيقة عليه ، مما لا يدل على امتناع كون الحقيقة حدّا بالمعنى اللغوي ، وإن امتنع إطلاق ذلك شرعا ؛ لعدم ورود الشرع به ، أو لوروده بالمنع منه ؛ لكن مع هذا كله ، ليس المقصود البحث « 4 » عن معنى الحد لغة ؛ بل البحث عن الحد الّذي هو طريق تعريف الحقيقة ، بالكشف « 5 » عنها ؛ وذلك لا يكون بنفس الحقيقة ؛ بل بما هو خارج عنها وهو دليل عليها ؛ وذلك هو القول ؛ فليكن البيان مختصا به .

--> ( 1 ) في ب ( فقد ) . ( 2 ) في ب ( إن ) . ( 3 ) زائد في ب ( قال شيخنا أبو الحسن الآمدي ) . ( 4 ) ساقط من ( ب ) . ( 5 ) في ب ( والكشف ) .